محمد حسين علي الصغير

64

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

وفي الآيات هذه عدة شواهد على مجازية الآية السابقة ، وعلى مجازية الآيات نفسها في عدة دلائل منها : 1 - إن المعنى : يحشر أعمى البصر ، وقيل أعمى عن الحجة ، أي لا حجة يهتدي إليها . قال الفراء : « يقال أنه يخرج من قبره بصيرا في حشره » « 1 » . وفي ذلك دلالة على أن لا ملازمة بين العمى الحقيقي - في الآية السابقة - وبين الضلال . فقد يحشر البصير في هذه الدنيا أعمى في الآخرة ، وهذا العمى قد يكون على ظاهره كما حمله أبو زكريا الفرّاء وقد يكون مجازه كما روى ذلك معاوية بن عمار قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام - يعني الإمام جعفر بن محمد الصادق - عن رجل لم يحج وله مال ، قال هو ممن قال اللّه ( ونحشره يوم القيامة أعمى ) فقلت سبحان اللّه أعمى ، قال أعماه اللّه عن طريق الحق « 1 » . قال الطبرسي ( ت : 548 ه ) فهذا يطابق قول من قال : إن المعنى في الآية أعمى عن جهات الخير لا يهتدي لشيء منها « 1 » . 2 - وكما حشر أعمى حينما أعرض في حياته الدنيا عن القرآن ودلائل الشريعة ، وسنن النبوة ، ونسي آيات اللّه ، فقد صكّ ( فكذلك اليوم تنسى ) أيها الناسي ، فتصير بمنزلة من ترك كالمنسي بعذاب لا يفنى . 3 - وقيل معناه : كما حشرتك أعمى ، لتكون فصيحة ، كنت أعمى القلب ، فتركت آياتي ولم تنظر فيها ، وكما تركت أوامرنا فجعلتها كالشئ المنسي ، تترك اليوم في العذاب كالشئ المنسي « 1 » . فالمجازية في إضراب هذه الألفاظ متواترة الورود في الروايات ومقتضاة لضرورة المعاني . والطريف أننا لو رجعنا إلى المصادر التراثية في تفسير تلك الألفاظ وأمثلها ، لكان ذلك وحده كافيا للاستدلال بوقوع المجاز في القرآن ، وانظر إلى جمهرة الأقوال في شتى شؤونها بالنسبة للآية موضوع البحث ، وإنما أكدنا عليها لأن دلالتها واضحة تكاد لا تخفى على السواد ، فكيف

--> ( 1 ) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : 4 / 34 - 35 .